حين يعرض شخص مسألته على محامٍ، فإنه يكشف في الغالب ما لا يكشفه لغيره: تفاصيل عائلية، أو أوضاعاً مالية، أو وقائع قد تمسّ سمعته. ولا يستقيم رأي قانوني سليم أو دفاع جاد دون هذه المعلومات، ولذلك جعل القانون العراقي الكتمان واجباً قانونياً على المحامي، لا مجرد عُرف من أعراف المهنة.
ويقترن هذا الواجب بمبدأ آخر لا يقل أهمية، هو الأمانة في الدفاع: أن يسمع صاحب الشأن رأياً صريحاً في موقفه، وأن يُبذل الجهد القانوني في حدود القانون وتقاليد المهنة.
السر المهني في قانون المحاماة
تجمع المادة 46 من قانون المحاماة رقم 173 لسنة 1965 ثلاثة أحكام مترابطة:
- لا يجوز للمحامي أن يفشي سراً اؤتمن عليه أو عرفه عن طريق مهنته، ولو بعد انتهاء وكالته، إلا إذا كان من شأن ذلك منع ارتكاب جريمة.
- لا يجوز له أن يؤدي شهادة ضد موكله في الدعوى التي هو وكيل فيها.
- لا يجوز تكليفه بأداء شهادة في نزاع وُكّل أو استُشير فيه.
ويُلاحظ أن الحكم الأخير يذكر الاستشارة إلى جانب الوكالة. فمن عرض مسألته على محامٍ طالباً رأيه دون أن يوكّله، لا يجوز تكليف ذلك المحامي بالشهادة في النزاع نفسه.
واجب لا ينتهي بانتهاء الوكالة
تجعل عبارة «ولو بعد انتهاء وكالته» الكتمان التزاماً مستقلاً عن مدة العلاقة. فانتهاء الدعوى، أو عزل الوكيل، أو اعتزاله، لا يرفع عنه واجب الحفاظ على ما عرفه بسبب مهنته.
الحماية الجزائية للسر
لم يكتفِ المشرّع بالمسؤولية المهنية. فالمادة 437 من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 تعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين وبالغرامة، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من عرف سراً بحكم وظيفته أو صناعته أو فنه أو طبيعة عمله فأفشاه في غير الأحوال التي يجيزها القانون، أو استعمله لمنفعته أو لمنفعة غيره.
ويرفع النص العقاب في حالتين:
- إذا أذن صاحب الشأن بإفشاء السر.
- إذا كان الإفشاء مقصوداً به الإخبار عن جناية أو جنحة أو منع ارتكابها.
ويتبيّن من الاستثناء الأول أن السر لصاحبه، وأن المحامي مؤتمن عليه لا مالك له. ويتبيّن من النص كله أن الحماية لا تقف عند الإفشاء، بل تمتد إلى استعمال السر لمنفعة أي أحد.
السرية في قواعد السلوك المهني
أقرّت الهيئة العامة لنقابة المحامين العراقيين سنة 2016 «قواعد السلوك المهني لمحامي العراق»، وجاءت السرية فيها في موضعين:
- القاعدة أولاً/1، وتجعل المحافظة على سر المهنة جزءاً من الالتزام العام باحترام القانون ورعاية تقاليد المحاماة وآدابها.
- القاعدة سادساً/1، وتُلزم المحامي بعدم إفشاء أسرار موكله أو ما ائتمنه عليه أو اطّلع عليه بمقتضى وكالته، إلا في الأحوال التي يبيحها القانون.
ومن مقتضى هذه القواعد ألا يتحدث المحامي في أي منبر عام عن قضايا موكليه أو تفاصيلها، ولو دون ذكر أسماء، متى أمكن التعرف على أصحابها.
أمانة الدفاع: رأي صريح دون وعد
تنص القاعدة سادساً/5 من قواعد السلوك المهني على أن يقدّم المحامي للموكل رأياً صريحاً في موضوع الدعوى دون أن يعد بنتيجة معينة، وأن يبذل الجهد القانوني المتفق مع شرف المهنة. وتتحقق الأمانة بهذا المعنى في أمور منها:
- أن يعرف صاحب الشأن مواطن القوة والضعف في موقفه كما هي، لا كما يتمنى.
- ألا يُبنى قراره على توقعات لا يملك أحد ضمانها، لأن الفصل في النزاع للقضاء وحده.
- أن يُدار الدفاع بوسائل مشروعة، وفي حدود ما فوّضه به الموكل.
حق الدفاع والسرية وجهان لضمانة واحدة
ينص دستور جمهورية العراق لسنة 2005 في المادة 19/رابعاً على أن حق الدفاع مقدّس ومكفول في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة. وهذا الحق لا يكتمل إلا إذا استطاع صاحب المسألة أن يروي الوقائع كاملة دون أن يخشى استعمالها ضده. ومن هنا يُفهم منع المحامي من الشهادة ضد موكله في الدعوى التي هو وكيل فيها: فالعلاقة التي يقوم عليها الدفاع لا يجوز أن تتحول إلى طريق لإثبات ما يضرّ صاحبها.
ما الذي يعنيه ذلك لصاحب المسألة؟
- يستطيع أن يعرض الوقائع كاملة، بما فيها ما يراه في غير صالحه، لأن الرأي السليم يحتاج إلى الصورة كاملة.
- تشمل الحماية الاستشارة كما تشمل الوكالة، وتبقى قائمة بعد انتهاء العلاقة.
- لصاحب الشأن أن يأذن بإفشاء سره، وفي غير ذلك لا يُرفع الكتمان إلا في الحالات التي يحددها القانون.
- يحسن أن تُعرض المعلومات الحساسة في لقاء مباشر، لا في رسائل عبر منصات عامة أو نماذج إلكترونية.
خاتمة
السرية والأمانة ليستا مجاملة مهنية، بل التزامان تحميهما نصوص في قانون المحاماة وقانون العقوبات وقواعد السلوك المهني، ويستندان إلى ما كفله الدستور من حق الدفاع. فالسر لصاحبه، وواجب حفظه لا ينتهي بانتهاء الوكالة، والأمانة في الدفاع تعني رأياً صريحاً وجهداً مشروعاً دون وعد بنتيجة. وعلى هذين الأساسين تقوم الثقة بين الشخص ومن يعرض عليه مسألته.