أخلاقيات المهنة

لماذا لا يمكن ضمان نتيجة الدعوى مسبقاً؟

لماذا تمنع قواعد السلوك المهني المحامي من الوعد بنتيجة معينة، وما الذي يجعل نتيجة أي دعوى غير قابلة للضمان، وما الذي يمكن انتظاره منه بدلاً من ذلك.

«هل سأكسب الدعوى؟» سؤال طبيعي يطرحه أغلب الناس في أول حديث مع المحامي، فمن يواجه نزاعاً يريد أن يعرف إلى أين ينتهي. غير أن الجواب الأمين عن هذا السؤال نادراً ما يكون «نعم» قاطعة أو «لا» قاطعة.

وليس في ذلك تهرّب من المسؤولية، بل هو انعكاس لطبيعة التقاضي نفسها، والتزام بقاعدة مهنية صريحة. ويوضح هذا المقال أسباب ذلك، وما الذي يمكن أن يُنتظر من المحامي بدلاً من الوعد.

قاعدة مهنية صريحة: رأي واضح دون وعد

تنص قواعد السلوك المهني لمحامي العراق، الصادرة عن نقابة المحامين العراقيين، في القاعدة سادساً/5 على أن يقدّم المحامي للموكل رأياً صريحاً في موضوع الدعوى دون أن يعد بنتيجة معينة، وأن يبذل الجهد القانوني المتفق مع شرف المهنة.

وتجمع هذه القاعدة بين أمرين متكاملين:

  • الصراحة: فلا يكفي أن يمتنع المحامي عن الوعد، بل عليه أن يبيّن رأيه في نقاط القوة والضعف بوضوح.
  • الامتناع عن الوعد: لأن النتيجة لا يملكها المحامي ولا الموكل، بل تتحدد بعوامل خارجة عن إرادتهما.

الوقائع لا تكتمل إلا أمام القضاء

ما يعرفه المحامي في بداية المسألة هو في الغالب رواية طرف واحد ومستنداته. أما أمام القضاء فتظهر رواية الطرف الآخر وأدلته، وقد تُقدَّم أوراق لم تكن معروفة، وقد تأتي أقوال الشهود على غير ما كان متوقعاً. ثم إن الدعوى قد تمتد زمناً تتغير فيه الظروف نفسها: فقد يتعذر الوصول إلى شاهد، أو يضيع مستند، أو تطرأ وقائع جديدة لم تكن في الحسبان.

ويضاف إلى ذلك عبء الإثبات. فالمادة 7/أولاً من قانون الإثبات رقم 107 لسنة 1979 تقرر أن «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر». فلا يكفي أن يكون الادعاء صحيحاً في نظر صاحبه، بل يجب أن يُثبت بالطرق التي يقبلها القانون، وقد يتعذر ذلك أحياناً لأسباب لا صلة لها بصحة الحق في ذاته.

للطرف الآخر حقوق مكفولة أيضاً

الدعوى ليست طريقاً يسلكه طرف واحد. فدستور جمهورية العراق لسنة 2005 يجعل التقاضي، في المادة 19/ثالثاً، حقاً مصوناً ومكفولاً للجميع، ويجعل حق الدفاع، في المادة 19/رابعاً، مقدساً ومكفولاً في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة.

ومعنى ذلك أن الخصم سيعرض دفاعه ودفوعه وأدلته، وسيكون له في الغالب محاميه. والمحكمة تستمع إلى الطرفين وتوازن بين ما يقدمانه، ولا يستطيع أي منهما أن يعرف مسبقاً كل ما سيقدمه الآخر.

تقدير المحكمة ومراحل الطعن

تقدّر المحكمة الأدلة وتفسّر النصوص وتطبّقها على الوقائع الثابتة أمامها، وقد يختلف تقديرها عن تقدير كلا الطرفين. ثم إن الحكم الأول ليس بالضرورة نهاية الطريق، فالمادة 168 من قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 تحدد الطرق القانونية للطعن في الأحكام، وهي:

  • الاعتراض على الحكم الغيابي.
  • الاستئناف.
  • إعادة المحاكمة.
  • التمييز.

وقد ينتهي الطعن إلى تأييد الحكم أو تعديله أو نقضه، بحسب الأحوال والشروط التي يحددها القانون.

ما الذي يمكن انتظاره من المحامي؟

بدلاً من الوعد بنتيجة، يمكن أن يُنتظر من المحامي ما يأتي:

  • تقييم صريح لنقاط القوة والضعف في المسألة، بما فيها المخاطر المحتملة.
  • شرح للخيارات المتاحة، ومنها الطرق الودية كالصلح حين تكون ممكنة.
  • بيان للمراحل الإجرائية المتوقعة، وللمستندات التي يحتاج إليها الإثبات.
  • إطلاع الموكل على التطورات المهمة أولاً بأول.
  • بذل العناية المهنية اللازمة في إعداد الدعوى ومتابعتها.

والفرق بين التقدير والوعد جوهري: فالتقدير يبيّن ما تدعمه الأدلة المتاحة الآن وما يضعفها، ويتغير بتغيرها، أما الوعد فيدّعي معرفة ما لا يمكن معرفته قبل أن تقول المحكمة كلمتها.

وإذا سمع المرء وعداً بنتيجة مؤكدة في أي نزاع، فمن المفيد أن يتذكر أن قواعد السلوك المهني نفسها لا تجيز هذا الوعد.

خاتمة

عدم ضمان النتيجة ليس ضعفاً في الرأي القانوني، بل هو جزء من أمانته. فالدعوى تتأثر بالأدلة، وبدفاع الطرف الآخر، وبتقدير المحكمة، وبمراحل الطعن. والرأي الصريح المبني على الوقائع يساعد صاحب المسألة على اتخاذ قرار واعٍ، مع العلم بأن تقدير كل حالة يختلف بحسب وقائعها ومستنداتها.

مراجع قانونية

  1. قواعد السلوك المهني لمحامي العراق (نقابة المحامين العراقيين)، القاعدة سادساً/5
  2. دستور جمهورية العراق لسنة 2005، المادة 19/ثالثاً ورابعاً
  3. قانون الإثبات رقم 107 لسنة 1979، المادة 7/أولاً
  4. قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969، المادة 168

مقالات ذات صلة

كل المقالات