يدخل كثيرون إلى اللقاء الأول بالمحامي وهم يحملون قصة طويلة وأوراقاً متفرقة وقلقاً مفهوماً. وفي الوقت المحدود لهذا اللقاء يحتاج المحامي إلى صورة واضحة للوقائع قبل أن يكوّن رأياً فيها، فكل تفصيل غائب أو مرتبك قد يغيّر التقدير القانوني للمسألة.
والاستعداد لا يتطلب معرفة بالقانون، بل يتطلب ترتيباً. فالمطلوب منك أن تعرض ما جرى بأمانة ووضوح، وأن تحضر ما بين يديك من أوراق، وأن تعرف ما تريد السؤال عنه. أما التكييف القانوني للوقائع فهو عمل المحامي.
ابدأ بتسلسل زمني مكتوب
اكتب الوقائع في صفحة أو صفحتين بحسب تاريخ حدوثها، من أقدمها إلى أحدثها. ويكفي لكل واقعة سطر أو سطران يجيبان عن الأسئلة الأساسية:
- متى وقعت، ولو على وجه التقريب؟
- من أطرافها، ومن حضرها؟
- ماذا حدث بالضبط، وما الذي قيل أو كُتب؟
- هل يوجد مستند أو رسالة تثبتها؟
وميّز في كتابتك بين ما شاهدته بنفسك وما نقله إليك غيرك، وبين الواقعة وتقديرك الشخصي لها. ولا تحذف الوقائع التي تبدو في غير صالحك، فمعرفتها مبكراً تساعد على تقدير المسألة تقديراً واقعياً.
اجمع المستندات ورتّبها
كثيراً ما يكون المستند المكتوب أقوى وسائل الإثبات. فقانون الإثبات رقم 107 لسنة 1979 يعرّف السند الرسمي في المادة 21/أولاً، ويجعله في المادة 22/أولاً حجة بما دُوّن فيه ما لم يتبيّن تزويره بالطرق المقررة قانوناً. ويُعدّ السند العادي، وفق المادة 25/أولاً، صادراً ممن وقّعه ما لم ينكر صراحةً ما نُسب إليه من خط أو إمضاء أو بصمة إبهام.
لذلك اجمع كل ما يتصل بالمسألة، ومنه:
- العقود والاتفاقات وملاحقها.
- الإيصالات والحوالات وكشوف الحساب.
- الرسائل والمراسلات الإلكترونية، مع تاريخ كل منها.
- أي ورقة صادرة عن محكمة أو دائرة رسمية.
رتّب الأوراق بحسب التسلسل الزمني نفسه، وأعدّ نسخاً منها. واحتفظ بالأصول في مكان آمن، وأحضرها إلى اللقاء للاطلاع عليها إن احتاج الأمر، ولا تكتب عليها أي ملاحظة. وإذا كانت بعض المستندات بيد طرف آخر أو محفوظة لدى جهة رسمية، فاذكر ذلك وبيّن مكانها، فقد يكون الحصول عليها جزءاً من العمل المطلوب.
سجّل المواعيد والتبليغات
بعض الإجراءات القانونية مقيدة بمدد محددة، وقد يترتب على تجاوزها فوات حق لا يمكن استدراكه. ولهذا فإن التاريخ الذي تسلّمت فيه تبليغاً أو قراراً معلومة مهمة بذاتها.
دوّن في ورقة مستقلة:
- تاريخ كل تبليغ أو إنذار تسلّمته، وطريقة تسلّمه.
- مواعيد أي جلسة محددة أمام محكمة أو جهة تحقيق.
- تاريخ صدور أي قرار أو حكم يتصل بالمسألة.
وإذا كان أمامك موعد قريب فاذكره في بداية اللقاء، لأن ترتيب الأولويات قد يتغير بسببه.
حدّد ما تريده من اللقاء
صُغ أسئلتك مسبقاً، ورتّبها بحسب أهميتها لديك. واسأل نفسك: هل أبحث عن فهم موقفي القانوني فقط، أم أريد أن يتولى المحامي تمثيلي في نزاع؟ فالفرق بين طلب المشورة وطلب التمثيل يحدد طبيعة العمل المطلوب ونطاقه.
ومن المفيد أيضاً أن تذكر:
- أسماء الأطراف الآخرين في المسألة، إذ قد يحتاج المحامي إليها ليتأكد من عدم وجود ما يمنعه من النظر فيها.
- ما اتخذته من خطوات سابقة، كشكوى أو مراجعة لجهة رسمية أو محاولة صلح.
- ما ترجوه من حلّ عملي، وما لا تقبله.
الصراحة أساس الرأي السليم
يبني المحامي رأيه على ما تقوله له، فإذا جاءت المعلومات ناقصة أو مجمّلة جاء الرأي بعيداً عن الواقع. وقد يتردد بعض الناس في ذكر تفاصيل محرجة، لكن القانون يحمي هذه الثقة: فالمادة 46 من قانون المحاماة رقم 173 لسنة 1965 تمنع المحامي من إفشاء سرّ اؤتمن عليه أو عرفه عن طريق مهنته، ولو بعد انتهاء وكالته، إلا إذا كان من شأن ذلك منع ارتكاب جريمة.
ومع ذلك، احرص على أن تعرض التفاصيل الحساسة في اللقاء نفسه، لا في رسائل مفتوحة أو عبر وسطاء.
خاتمة
اللقاء المثمر بالمحامي يبدأ قبل موعده: تسلسل زمني واضح، ومستندات مرتبة، ومواعيد مدوّنة، وأسئلة محددة، وصراحة كاملة. وقد يكون الرأي في اللقاء الأول أولياً يحتاج إلى مستندات إضافية أو مراجعة أعمق، لأن المعالجة القانونية تختلف بحسب وقائع كل مسألة وتفاصيلها.